أخبار

حملة ترامب للرسوم الجمركية والزلزال العالمي: اللحظة الاستراتيجية للآسيان في مواجهة الإكراه الاقتصادي

03/04/2025 02:54 PM

كوالالمبور/ 3 أبريل/نيسان//برناما//-- أعلن الرئيس دونالد ترامب "يوم تحرير أمريكا" من حديقة البيت الأبيض، ووقع أمرًا تنفيذيًا يُطلق نظامًا عالميًا شاملًا للرسوم الجمركية.

بموجب نظام "الرسوم الجمركية المتبادلة" الجديد، ستفرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية أساسية بنسبة 10 بالمئة على جميع الواردات، بالإضافة إلى رسوم إضافية بناءً على رسوم كل دولة على السلع الأمريكية.

الأهداف واضحة وجلية: 34% على الصين، و32% على إندونيسيا، و26% على الهند، و24% على ماليزيا، و20% على الاتحاد الأوروبي، من بين دول أخرى.

هذه ليست مجرد مناورة تجارية، بل إعلان حرب اقتصادية صريح على النظام العالمي الحالي.

لقد تطورت "الترامبية" من خطاب شعبوي إلى استراتيجية منهجية لزعزعة المؤسسات. وعندما تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن فرض القواعد، تسعى الآن إلى تفكيكها.

وراء كواليس"المعاملة بالمثل"، تكمن أجندة قسرية وأحادية الجانب: تسليح التعريفات الجمركية وسلاسل التوريد والأنظمة المالية لإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية في عالم تجاوز مرحلة معينة.

لكن المشهد العالمي لعام 2025م لم يعد كما كان في عام 2005م أو حتى عام 2015م. فعالم اليوم أكثر ترابطًا، وأكثر إقليمية، وأكثر استعدادًا للاستجابة.

بعد توسع مجموعة البريكس في عام 2024م - والتي ضمت المملكة العربية السعودية وإيران ومصر والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا - أصبحت مجموعة البريكس+ الآن تشمل معظم أنظمة الطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية في دول الجنوب العالمي.

بالتوازي مع ذلك، بدأت أطر إقليمية، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والاتحاد الإفريقي، والسوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور)، في بناء مرونة مؤسسية بهدوء: تعزيز تسويات العملات المحلية، وتنويع الشركاء التجاريين، وتقليل التعرض للأنظمة التي تركز على الولايات المتحدة.

هذا ليس تحالفًا معاديًا لأمريكا، بل هو رد فعل منطقي على حالة انعدام اليقين والضغوط غير المتكافئة. عندما تُعاد صياغة القواعد من جانب واحد، تفقد المؤسسات شرعيتها - وتتحرك الدول لحماية نفسها.

واصل الرئيس الإندونيسي الجديد، /برابوو سوبيانتو/، تنفيذ رؤية سلفه /جوكو ويدودو/ من خلال تسريع اعتماد إندونيسيا لآليات تسوية العملات المحلية والسيادة المالية الرقمية.

كما أيد الجهود المبذولة لبناء منصات دفع عبر الحدود وعزل مالي إقليمي من خلال أطر الآسيان.

وواصل رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم هذا النهج، محولًا فلسفة "ماليزيا مدني" إلى مفهوم استراتيجي لحوكمة الجنوب العالمي - يرتكز على العدالة والشمول والتعاون والتوازن الثقافي.

لم تعد رابطة الآسيان، في الوقت الراهن، مجرد مراقب سلبي بين القوى الكبرى. بل أصبحت منصةً في موقع فريد للتوسط وبناء القواعد في نظام متعدد الأقطاب ناشئ.

نشهد بروز ما يمكن تسميته "التوازن الذكي" - وهو تحول من المقاومة إلى إعادة البناء.

يعكس بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة البريكس، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وأنظمة الدفع المتطورة القائمة على رمز الاستجابة السريعة (QR code) في الرابطة، حركةً نحو مسارات اقتصادية بديلة: نزع الدولرة، وإلغاء الهيمنة، وإلغاء العقوبات. هذه ليست إعلانات مواجهة، بل مخططات للاستقلال الاستراتيجي.

ومع ذلك، فإن حرب ترامب الجمركية ليست بلا عواقب على الولايات المتحدة. إذ يُمكن الآن توقع خمسة أضرار هيكلية على الأقل.

أولاً، تآكل مصداقية الدولار الأمريكي. أفاد صندوق النقد الدولي في عام 2023م أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية قد انخفضت إلى 59%، بعد أن كانت تزيد عن 70% قبل عقدين من الزمن.

إن استمرار استخدام الدولار سلاحاً مالياً يُسرّع جهود الدول لبناء أطر دفع ثنائية، وتعزيز احتياطيات الذهب، واعتماد العملات الرقمية.

ثانيًا، تفكك شبكات التحالفات الأمريكية. فالحلفاء الذين كانوا يُعتبرون "غير قابلين للمساس" - ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وكندا - يجدون أنفسهم الآن مستهدفين برسوم واشنطن الجمركية. وهذا يُقوّض الثقة والتنسيق وأطر الأمن الراسخة.

ثالثًا، هروب رؤوس الأموال وانعدام اليقين لدى المستثمرين. سياسات التعريفات المتقلبة والرسائل الاقتصادية غير المتسقة تجعل الولايات المتحدة وجهة استثمارية أقل جاذبية. ويتزايد هجرة رأس المال العالمي إلى مناطق مستقرة قائمة على القواعد.

رابعًا، الانهيار المتسارع لسلاسل التوريد العالمية. فالإنتاج عبر الحدود، الذي كان مُحسّنًا في ظل العولمة، يُعاد ضبطه الآن نحو الاكتفاء الذاتي الإقليمي واستراتيجيات "الصين زائد واحد". الولايات المتحدة لا تجذب إعادة الاستثمار إلى الوطن، بل تُحفّز على نقل الاستثمارات إلى أماكن أخرى.

خامسًا، انهيار الثقة المؤسسية في الهيئات متعددة الأطراف التي تقودها الولايات المتحدة. لقد شُلّت آلية فضّ النزاعات في منظمة التجارة العالمية لسنوات.

أصبحت مصداقية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي موضع تساؤل دائم من قِبَل الاقتصادات الناشئة. إذا نُظر إلى الولايات المتحدة على أنها تتخلى عن التعددية عندما لا تعود تُناسب مصالحها، فسيفعل الآخرون الشيء نفسه.

في ظل هذه الخلفية، لا ينبغي للعالم أن يكتفي بالمعارضة، بل عليه أن يردّ بتصميم. يمتلك رئيس الوزراء أنور إبراهيم والرئيس برابوو الآن رصيدًا أخلاقيًا واستراتيجيًا فريدًا لقيادة خطاب جديد.

مواقفهما لا تنبع من التحدي، بل من بناء المؤسسات. وفي غضون عشرة أيام فقط، قد تُمثل زيارة الدولة المرتقبة للرئيس الصيني /شي جين بينغ/ إلى ماليزيا نقطة تحول في إعادة تنظيم المؤسسات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

إذا تمكنت الآسيان والصين من التوافق على آلية إقليمية للمرونة المالية، وتوسيع نطاق تسويات التجارة القائمة على الرنمينبي، ودمج الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) مع الأطر التجارية لمجموعة البريكس +، ووضع قواعد لسيادة سلسلة التوريد، فسيتشكل محور جديد للتعاون العادل - ليس لمواجهة الولايات المتحدة، بل للعمل معها أو بدونها.

لا يزال للولايات المتحدة دور في هذا العالم، ولكن يجب أن يعود هذا الدور ليكون شريكًا، لا مُعاقبًا.

يجب على الآسيان الآن أن تشغل مقعدها ليس فقط على طاولة المفاوضات، بل أيضًا على طاولة وضع القواعد. الأمر لا يتعلق باختيار أحد الجانبين. يتعلق الأمر بتشكيل عالم لا تستطيع فيه أي دولة بمفردها أن تُملي مصير جميع الدول الأخرى.

إذا أُريد للرسوم الجمركية أن تصبح لغة الإمبراطورية الجديدة، فإن التعاون والمرونة والحكمة المؤسسية يجب أن تصبح قواعد السلام الجديدة.

وهذه المرة، يجب أن تكون الآسيان هي من يضع هذه القواعد - لا أن تكون مجرد حاشية.

 

الكاتب /سي دبليو سيم/ زميل أول في الساحة الاستراتيجية لدول المحيطين الهندي والهادئ (SPIPA).

ترجمة: س.هـ

 

وكالة الأنباء الوطنية الماليزية – برناما//س.هـ